التخطي إلى المحتوى

محمد لاشين محمد لاشين دخلت مكتب السيد الرئيس وألقيت عليه التحية وقدمت له نفسى.قال: اتفضل ، وأشار إلى كرسى أمام مكتبه ، فجلست.قال: خيرقلت له ، أرجو أن يتسع صدر سيادتكم لما سأقوله.قال الرئيس: قبل أى شيء يجب أن تكون أنت وزملائك المعلمين على علم بالحالة الإقتصادية التى تعيشها مصر، ويجب أن تكونوا أيضا على علم بأننا نشترى سلاح بمليارات الدولارات لتحديث سلاح الجيش أهملت عملية تحديثه لعشرات السنين ، بمعنى آخر أنه لو لا قدر الله دخلت مصر فى حرب مع أى دولة بالسلاح الذى كان موجودا لدى الجيش نكون كمن ألقى بجنوده فى النار ونكون نحن قتلة أبنائنا..
وكذلك هناك مشروعات قومية كبرى تأخرت أيضا لعشرات السنين بدأنا فيها ولا يمكن أن نتوقف. فإذا كنتم كمعلمين تعلمون ذلك فطلبكم بزيادة المرتبات فى الوقت الراهن يصبح غريبا وغير منطقى..
حاولت إخفاء إبتسامتى!!ولكنه قال لى: لماذا الضحك الآن؟1اعتذرت له وقلت إننى لم احضر إلى هنا من أجل المال رغم حاجتنا الشديدة له ، ولكن الموضوع أكثر خطورة.قال : اتفضلإستجمعت قواى وقلت : يافندم لا يمكن أن تتقدم مصر بنظام تعليمى متهالك ، عفا عليه الزمن وتسبب فى إنتاج أجيال من الباعة الجائلين وعمال من حملة الشهادات الجامعية وموظفين غير كفء حتى الأطباء والمهندسين ، أصبحوا أقل كفاءة ممن تخرجوا فى سبعينيات القرن الماضى.قال: والحل..
أحسست أن الرئيس يريد أن يسمعنى ، مما شجعنى على الاستمرار فى الحديث.قلت ، يجب يا سيادة الرئيس أن نبدأ إصلاح التعليم من مرحلة التعليم الأولى ، وهى مرحلة ما قبل التعليم الإبتدائى تبدأ من سن الرابعة وحتى السادسة.وفى هذا الصدد يجدر بى الإستعانة برأى أطباء الأطفال ولن أجد أفضل من الراحل الدكتور "حسين كامل بهاء الدين" وزير التربية والتعليم الأسبق ، فقد كان عالما فى طب الأطفال بالإضافة إلى خبراته الكبيرة جدا فى مجال التربية والتعليم حيث جلس على كرسى الوزارة لمدة ثلاثة عشرة عاما ، وهو يقول : إن عملية تعليم الطفل تبدأ وهو فى رحم الأم وهى المرحلة الأولى..
وبعد الولادة تأتى المرحلة الأكثر أهمية فى حياة الفرد وهى تبدأ من سن يوم واحد وحتى سن السادسة من عمره.فى هذه المرحلة ( السنوات الست الأولى ) تكون الخلايا العصبية وكذلك المشابك العصبية فى عقل الطفل فى حالة نمو مطرد ويبلغ هذا النمو ذروته حين يبلغ الطفل سن السادسة ثم تبدأ عملية النمو فى التراجع حتى التوقف.وكذلك ، هناك ما يعرف بنوافذ فرص المعرفة والقصود بهذا التعبير هو الفترة التى يمكن أن ينمى فيها الذكاء عند الطفل.ونوافذ فرص المعرفة تكون عند الطفل ما يمكن أن نطلق عليه (الهارد وير Hardware ) للطفل وهذه النوافذ تغلق فى السادسة من عمر الطفل.. هناك إثنا عشر نوعا من الذكاء كلها قابلة للنمو مثل العضلات تماما ، القليل منها يظل مفتوحا حتى سن العاشرة .من هنا يا سيادة الرئيس أصبح لزاما علينا أن ننشأ مرحلة التعليم الأولى بحيث يصبح إلزاميا بالتدريج فى كل مكان على أرض مصر.وأحب أيضا أن أذكر لسيادتكم أن الرئيس الأمريكى السابق قال فى إحدى خطاباته والمعروفة باسم "حالة الإتحاد" أن الولايات المتحدة الأمريكية سوف تضع التعليم المبكر (حتى سن السادسة) على قمة أولوياتها فى السنوات القادمة..
ويجدر بى أيضا يا سيادة الرئيس أن أذكر أن علماء التربية الأهم والأكثر شهرة وهم العالم الألمانى "فردريك فروبل" والعالمة الإيطالية "ماريا مونتيسورى" وكذلك العالم السويسرى "جان بياجيه" أقول أنهم جميعا قد اهتموا بالتعليم فى هذه المرحلة السنية (التعليم حتى السادسة) حتى أن العالمة التربوية والطبيبة "ماريا مونتيسورى" قد أنشأت مدرسة للأطفال فى هذه المرحلة السنية وكان كل أطفال المدرسة من أصحاب الإحتياجات الخاصة ومع ذلك وصلت بهم إلى مستوى تعليمى أبهر سكان مفاطعة "كيارا فالى" جميعا ، كان ذلك عام 1906..
قال الرئيس: وهل نستطيع فى ظل هذه الظروف الإقتصادية أن نمول مرحلة تعليمية جديدة ؟ !قلت له: نعم يا سيادة الرئيس ، سوف نعتمد على المصروفات المدرسية وطوابع دعم مرحلة التعليم الأولى وننشأ فصول قريبة جدا من المنازل ، فى النوادى والمدراس (فترة مسائية) وقاعات الخدمات الإجتماعية بالقرى والنجوع بل ومنازل العمد ونربط إحصائيات هذه الفصول بالسجل المدنى حتى لا يتسرب أى طفل وصل إلى سن الرابعة ، وسنعطى أجر المعلمين بنظام المكافأة الغير منتظمة حسب أعداد الأطفال المنتظمين بالفصل كنسبة من المصروفات ، وجميع قرى مصر مليئة بخريجات الجامعة وهن فى حاجة ماسة لعمل بالقرب من منازلهن يوفر لهن دخل مهما كان بسيطا ولكنه سيكون مفيدا. ولذلك يا سيادة الرئيس أرجوك أن تصدر أوامرك بالبدأ فى العمل بتلك المرحلة التعليمية المهمة جدا..
عزيزى القارىء الكريم هذا الحوار التخيلى أتمنى أن يحدث على أرض الواقع ، حيث أنه ثبت بالتجربة فى فصول (baby class) وكذلك فى مرحلة رياض الأطفال أن التعليم فى هذه السن المبكرة (ما قبل السادسة) يوفر خلفية علمية وثقافية عميقة لدى الطفل بل هى البنية الأساسية السليمة التى يمكن أن نبنى عليها العملية التعليمية برمتها..