التخطي إلى المحتوى

نتشرت هذه الصورة في “فايسبوك”، وهي ملتقطة على الطريق الساحلي في جنوب لبنان، وتخص مقهى أو “استراحة” يقصدها الذاهب إلى قرى الجنوب. ويبدو أن صاحبها اختار اسماً لها يناسب مزاج زبائنهم وميولهم السياسية.

السيارات المتوقفة أمامها، تدل على أن زبائن المقهى ميسورو الحال، أي أنهم يعيشون حياة لائقة، تجعلهم ربما أصحاب بيوت مرتّبة وأصحاب أعمال ووظائف، ولديهم أسر يعتنون بها، لا بدّ أنهم يحرصون على تأمين أسباب طمأنينتها ورفاهيتها. لا بدّ أيضاً أنهم يرسلون أبناءهم إلى المدارس الجيدة المستوى، كي يحصّلوا علماً ومعرفة، يتيحان للأبناء فرصة الترقي، ومستقبلاً أفضل، وصعوداً اجتماعياً يناسب الطموحات التي يتشارك فيها كل الناس.

زبائن أي مقهى، وإذ يأتون إليه، إنما يمارسون طقساً مدنياً في ارتياد مكان عام، للاستئناس والراحة وتزجية الوقت ولقاء الناس، وهو سلوك تترتب عليه غفلة الهويات والعصبيات، أو التخفف منها على الأقل. فهم يخرجون من بيوتهم وجوارهم الأهلي إلى فضاء عمومي. ويستوجب “الخروج” إقبالاً على الاختلاط وقبول المختلف، في حدود الخصوصية الشخصية، التي يرسمها توزع طاولات المقهى على مسافات متجاورة. وسمة المقهى عموماً، أنه مكان للعابرين، بقدر ما هو مقر لمرتاديه المداومين المتآلفين. وهو أيضاً هامش إزاء متن البيت والأهل ومقر العمل، يجوز فيه الكسل والمزاح والدردشة ومجانية الكلام وتداول الأقاويل واللعب..إلخ.

هذا المقهى الظاهرة صورته أعلاه، جعل اسمه من عبارتين. الأولى، تفيد بأنه يستقبل من يسرق ويأتي بمسروقاته، أو أنه يحض على السرقة ويسهل على السارق صرف مسروقاته، أو أنه شعار “أخلاقي” لنمط حياة، وطريقة لتحصيل الرزق والمال. وهو على الأرجح إعلان حاسم بأن العيش في هذا البلد يحتم امتهان السرقة تجنباً للفقر والبطالة وسوء الحال، أي أنه يعبّر عن قناعة شعبية سائدة بأن من يحوز الثروات والسلطة والجاه هم سارقون أصلاً ولصوص، أكانوا زعماء سياسيين أو رجال أعمال وتجارة، واقتداء بهم لا بدّ للواحد منا احتراف السرقة والتحلي بأخلاق اللصوص.

بهذا المعنى، فإن القناعة بلصوصية أصحاب الجاه والزعامة، لا تستدعي الإدانة الأخلاقية والرغبة بالمحاسبة والاحتجاج ضدهم، بل هي تستدعي الاقتداء بهم والسير على منهاجهم. ولما كانت الدعاية الشعبوية، وثقافتها المبتذلة، تجعل كل من يحوز ثروة وكل من تبوأ منصباً بارزاً وكل تاجر وكل رجل أعمال، بلا استثناء، سارقاً وناهباً ولصاً، فهذه الثقافة حضّت في نهاية المطاف، كل طامح بثروة أو منصب أو تجارة أن يكون سارقاً وفاسداً، بقناعة عميقة أن لا طريق لـ”الوصول” وتحقيق الطموح إلا عبر اللصوصية.

وفي البيئة الحاضنة لهذا المقهى، ثمة “أيديولوجيا” مفادها أن خصومهم السياسيين (الطوائف الأخرى، طبعاً)، هم بلا ضمير، كذبة، عملاء، كافرون، خونة، طائفيون، سرّاق، ناهبون، طواغيت، فاسدون.. إلخ. وبما أن أبناء هذه البيئة، يعتنقون فكرة أنهم ضحايا “مظلومية تاريخية”، وأن بأسهم وعصبيتهم المستنفرة والمقاتلة و”المنتصرة”، وحدها هي التي أتاحت لهم، وما زالت، الانتقام من تلك المظلومية، فإذا ما اضفنا تلك القناعة بكيفية تحصيل الثروة والسلطة إلى روحية الثأر والانتقام، جاز لصاحب المقهى أن يرفع يافطة “سروق وجيب”، وجاراه فيها ضمناً زبائنه. وجاز أيضاً أن يكون صاحبنا وزبائنه هازئين ومتهكمين على كل من تدهشه اليافطة من سكان البلد أجمعين، متمتعين بـ”حصانة” بيئتهم الأهلية، المستقوية بجبروت سلاحها وحزب سلاحها. وعلى منوال اليافطة هذه، تكون “سياسة” طائفة صاحب المقهى وأصدقائه، كما نعلم ونذوق يومياً.

أما العبارة الثانية “استراحة شهود الزور”، فهي على منوال “استراحة الوعد الصادق” مثلاً، تستل من قاموس “حزب الله” ولغته السياسية والدينية والعسكرية. فمن المعروف أن الحزب المذكور اخترع وروّج ما أسماه “شهود الزور” في معرض حملته العنيفة والمديدة على المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، التي تنظر في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري والاغتيالات الأخرى المشابهة. وتحولت تلك العبارة إلى شعار أو “سلوغن” مألوف في الحياة العامة. واعتنقها أهل “الممانعة” حجة يحتمون بها من تهمة القتل ووقائع التحقيق ووثائقه واعترافات الشهود، فإذ هم يظنون ويتخيلون إن نطقوا بها هكذا فصيحة بليغة، اطمأنوا لها كمسوغ وافٍ للإنكار ودفعاً بائناً للشبهة والاتهام، فلا تعوزهم بعدها قرائن أو أدلة أو حقائق، خصوصاً إذا كان ترداد عبارة “شهود الزور” مقترناً دوماً بحضور قوة السلاح وسطوته. بل إن أهل هذا المقهى “الممانعين” يدركون تماماً أن لا حاجة لهم لأدلة وقرائن وبراهين طالما أنهم وحدهم يحوزون قدرة لا تجاريهم فيها الطوائف الأخرى على استخدام العنف والقوة والتهديد بإشعال الحرب، فيطيب لهم فرض “الحقيقة” التي يختارونها لنا ولهم وللعالم أجمعين.

مع ذلك، وعلى منوال العبارة الأولى، لا تخلو يافطة “شهود الزور” من هزء مضمر، وخفة ساخرة في اتجاهين: السخرية من مصدر العبارة من جهة، والسخرية من قارئها أيضاً. وهي في أي حال على قدر من وقاحة التحدي والاستفزاز، لا يأتيها إلا من حاز “حصانة” بيئته وأهله وأصحابه.

هذا ليس مقهى عاماً، أو مكاناً غفلاً وعمومياً للعابرين، ليس “استراحة” أو عنوان خروج من بيت وعمل.. إنه، كما كل الأمكنة التي حوّلها الاعتصاب “الممانع” إلى خيمة ولاء واستنفار، إنه مقر اجتماع ومبايعة وانتماء وإشهار هوية. تماماً كما يفعل الشباب، الذين لا يتنزهون بسياراتهم، بل يتجولون بها صادحة صاخبة عنيفة بأعلى صوت الستيريو بخطب القائد، أو بندبيات عاشوراء، هكذا في استعراض ثأري في شوارع المدينة وأحيائها. فالجلوس في المقهى، كما التسكع بالسيارة، هو أيضاً استئناف للحرب والضغينة والثأر من الآخر.